أحمد بن علي القلقشندي

250

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والمسافات التي هي مقدّمة عليك في وضع المباني ، ومنفردة عنك بكثير من المعاني ؛ من [ أنواع ] الخراج والزراعات ، وتقدير الرّساتيق والبياعات ، وكيفيّة ذرع المثلَّثات ، والمربّعات ، والمدوّرات ، والمستطيلات ، وغير ذلك من دقائق الأعمال ، وإدراك كمّيات المقادير على التفصيل والإجمال . فقال « علم الفلاحة » : فإذا قد اعترفت أنّك من جملة لواحقي ، مندرج في حقوقي وداخل تحت مرافقي ؛ فأنا في الحقيقة المقصود منك في الوضع بالقياس ، والمتّحد بك دون غيري من غير التباس ، مع ما أنا عليه من معرفة كيفية تدبير النّبات من بدء كونه إلى تمام تدبيره ، وتنمية الحبوب والثّمار بإصلاح الأرض وما تخلَّلها من المعفّنات كالسّماد وغيره ، وما أبديه من اللَّطائف في إيجاد بعض الفواكه في غير فصله ، وتركيب بعض الأشجار على بعض واستخراج بعضها من غير أصله . فقال علم « إنباط المياه » : إلا أنّي أنا بداية عملك ، وغاية منتهى أملك ؛ لا يتم لك أمر بدوني ، ولا تنبت لك خضراء ما لم تسق من بئاري وعيوني ؛ فأنا الكفيل بإحياء الأرض الميّتة وإفلاحها ، والقائم بتلطيف مزاجها وإصلاحها . فقال « علم المناظر » : ما الذي تجدي أنت وطرفي عنك مرتدّ ، ونظري إليك غير ممتدّ ؛ وأنّى تستطيع مياهك التّرقي من الأغوار إلى النّجود ، وتتنقّل عيونك وأنهارك بين الهبوط والصّعود ، إذا لم أكن لك ملاحظا ، وعلى الاعتناء بأمرك محافظا ، مع ما أشتمل عليه غير ذلك من تحقيق المبصرات في القرب والبعد على اختلاف معانيها ، وما يغلط فيه البصر كالأشجار القائمة على شطوط المياه حيث ترى وأسافلها أعاليها . فقال علم « المرايا ( 1 ) المحرقة » : إنّك وإن دقّقت النّظر ، وحقّقت كلّ

--> ( 1 ) في لسان العرب : « المرآة جمعها مراء كمراع . والعوام يقولون في جمعها : مرايا » .